مقدمة الرسائل


هنا ستقرأ الرسائل المتبادلة
مابيني

وبين الكاتبة المغربية المتألقة
منى وفيق






مقدمة ( 1 )

منذ التقاء حروفنا.. منى، شعرتُ بانفكاك الأقفاص إلى حيث انكتابي وانكشافي.. شعرتُ بانعتاق يأخذني إلى طريق البوح بكل هدوء.. طريق مسفلت في ذاكرتي، وأرصفة مرتبة في خيالي.. وفي كل لحظة من لحظات اغترابي، فجيعتي، صمتي، انهياري.. وجدتك ـ وحدك لا شريك لك ـ سماء رحبة صافية.. فأهدرت دمي إليها بانتشاء.

عندما تلاقحتْ أفكارنا، وتماثلت مآربنا.. كان عليّ أن أنفتح عليك منذ تلك الوهلة.. حتى شعرت بأنك ضرورة لضروب البوح والمكاشفة.. لتكوني أنت الإله الذي يسمع أسطورتي فيأخذني إلى أسرار الرحمة واللطف.. فكان بعض هذا منِّى.. وكنتِ ذاك.. بل كنتُ لكِ كما كنتِ لي.

نعم، كتبنا هذه الحصيلة.. بطبيعتنا، بوعينا، بسذاجتنا، وجنونا.. أبرزنا ذاتنا، وأبرزنا الجانب الإنساني فينا، وتركنا لهما نوع من الاتساع.. غير خائفين من القدر وخيانته، لأننا اعتدنا منه الخيانة.. غير آبهين من الشنق، لأن فكرة الحياة بعد الشنق أخذت استقرارها فينا عقلينا.

لكن، ماذا بعد طرق كل هذه الأبواب.. عزيزتي.. كم من إنسان سيقرأ وصايانا هذه؟.. كم إنسان سيقاسمنا هذا الهم؟.. كم إنسان سيفتح عقله ويتفاعل مع ما جاء فيها، أو يقرر ما هو أصبى فيعمل بالوصية.. لنجد مافي خارطتها مفعَّلاً على أرض الواقع مالم تفعِّله أيدينا التي شلتْ فيسمو، لأن العامل بما سما هو الأسمى.

هذا ما أريد أن أسألك ـ عزيزتي ـ عنه!.. هذا ما يؤرقني.. فهل سيطفئ ـ المتلقي القادر ـ النار التي تناولها منا في مأتمنا الذي كان فيه هذا اللطم والنوح وشق الجيوب؟.. أو سيربت على أكتافنا.. أو يقودنا هو أيضاً إلى حبال الشنق غير واع أن فيه حياتنا؟..

آمل أن يكون من القارئ شيئاً حسنا، وإن لم يكن

فلا شك أنني أشعر بأننا متفقان على أن الله أسانا.. الله الأكرم الألطف.



عبدالله النصر (السعودية)




مقدمة ( 2 )


أيهٍ عبد الله.. يكفينا أن نكتب لنحيا داخل كتاباتنا. ومن ثمّة يحيا الآخرون داخلنا. رسائلنا تحمل الكثير من سذاجتنا.. أحلامنا.. انكساراتنا. فيها افتتنّا بالموت.. رأينا الكثير من الجمال في السّواد.. بها عشقنا برودة الجمر ولسعة الجليد.. كنّا عريّ إلاّ من أحلامنا.. احترفنا فيها من الصدق جله، ومن الكذب الجميل ما باقيه..

قد تساوى في رسائلنا التبر والتراب.. وبينما كنا جالسين على وجه الأرض كنا نجلس في السماء.. دخولنا حانة الكتابة أثملنا حتى ترنحنا بالسكر على كأسها، فكشفنا الشيء الكثير من خصوصياتنا وخصوصيات بلدينا وواقع كل ذلك.. لكننا لم نغفل التفاوت في القيمة الكتابية فيما بيننا، وكذلك في توجهاتنا. فضلاً عن ثمة تقارب فيما بيننا من جهة الكتابة ودلالاتها، حتى في التداخل والتوجه الفكريين، وإن اختلفت بعض معطياتنا، فذلك كان من خلال طريقة التعبير عن موضوعاتنا المختلفة في زمانها ومكانها ومحيطها.

رسائلي بالذات، قذيفة أوجهها بسلاح محكم، إلى ذاك الذي حاولت أنت أن تتلبس شخصه.. ذلك الذي حملتُ له كلي كورد عذراء، فوطئها بأقدامه.. مع أنه لم يفطن إلى أن فعله قد أحياني!.. ومن بؤس خلاياي الجامدة فيه قد انتشلني.. فكنت أنا منى، حيث لا يريد أن أكون.. وأما هو فلم يكن سوى سحابة صيف ماكرة، سراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء.

ولذا ـ عزيزي عبدالله ـ أوافقك في ما ذهبت إليه: ( ماذا بعد طرق كل هذه الأبواب؟.. كم من إنسان سيقرأ وصايانا؟.. كم إنسان سيقاسمنا الهم؟.. كم إنسان سيفتح عقله ويتفاعل مع ما جاء في رسائلنا، أو يقرر ما هو أصبى فيعمل بالوصية.. لنجد مافي خارطتها مفعَّلاً على أرض الواقع مالم تفعِّله أيدينا التي شلتْ فيسمو، لأن العامل بما سما هو الأسمى)..

بالطبع، عبدالله، أنا معك أحمل لسيدي القارئ الذي طالما شعرنا بفطنه وإحساسه هذا الغيث... ولا آمل لنا الآن غيره.. فإنه في حياته حياتنا.. وفي بعث سناه بعث سنائنا، على أن الكتابة المقدمة هنا نقداً: خطابياً، وبه شيئاً من الإنشائية، لا علاقة لها ببنية النقد كممارسة فكرية، وهو يتقدم بأوصاف، وتعابير لا تخرج عن إطار المحسوس المباشر.



منى وفيق ( المغرب)









وحمل الأثير سذاجتنا


هو العنوان المبدئي للرّسائل المشتركة مع القاصّ السّعودي المبدع عبد الله النّصر ، و الّتي من المزمع نشرها ورقيّا عمّا قريب . ولم نر بأسا من نشرها أوّليّا في موقعينا على النّت .
رسائلنا هذه تحمل الكثير من سذاجتنا .. أحلامنا .. اغترابنا .. فجيعتنا .. صمتنا . فيها افتتنّا بالموت .. رأينا الكثير من الجمال في السّواد .. و بها عشقنا برودة الجمر و لسعة الجليد .. احترفنا من الصّدق جلّه و من الكذب الجميل ما بقيه!

كتبنا هذه الحصيلة بوعينا ، بطبيعتنا و جنوننا .. و بشدّة برزت ذواتنا و معها الجانب الإنسانيّ فينا !!

لحظة التقت حروفنا شعرنا بانعتاق يأخذنا إلى طريق البوح بكل هدوء .غير آبهين بالتّفاوت في القيمة الكتابيّة فيما بيننا و كذلك توجّهاتنا ...!

يهمس لي عبد الله قائلا : منى .. كنت كلّي .. و كنت كلّك في هذه الرّسائل . ثمّ يردف متسائلا : هل سيطفئ المتلقّي النّار الّتي تناولها منّا في مأتمناالمليئ باللّطم و النّوح و شقّ الجيوب ؟؟! أم لعلّه سيربّت على أكتافنا ؟؟ أم تراه يقودنا أيضا إلى حبال الشّنق غير واع أنّ فيه حياتنا ؟!؟!!
أي عبد الله .. لا أملك أن أجيبك .. فأنا إذ دخلت حانة الكتابة ثملت حتّى ترنّحت بالسّكر على كأسها .. ثم ّ إنّ فكرة الحياة بعد الشّنق تستهويني ..!

منى وفيق










الرسالة (1)




الرسالة (1)

سكرة في معبد البوح

بقلم / منى وفيق





لشدّ ما أنا محتاجة أن أنكتب بك هذا المساء .. و كلّ مساء..

عطشى روحك .. أحسّ وجعها .. إنّها تنتظر أن تسقيها روحي خمرة الحبّ فتسكر أبدا .. أبدا .. أبدا!!

عبد الله ، يا جنون هذه الحياة .. لا تدري أيّ رغبة بالبوح و المكاشفة تسكنني اللّحظة. البوح بماذا ؟؟ بكلّ شيء و بلا شيء ..

حزينة هي الرّباط هذا المساء .. وفيّة لي ..تأبى إلاّ أن تحاكيني .. هي ذي تلبس حزني و توهاني ..أصدقك القول، متعبة أنا منّي .. حتّى الشّمس ما عادت تصنع ابتسامتها من أفولها ..أكاد أراك تبتسم وتهمس لي قائلا :" أي مناي ، الحياة حلوة و لكنّها ليست سهلة. و ربّما سرّ حلاوتها هو هذا التّناقض. فقد قيل قديما لا تحلو نعم دون لا "

أسرّ لك وحدك أنّي بدأت أفقد منى الّتي أحببتها وأحببت سذاجتها الذكيّة .. منى الحالمة الّتي ما فتئت تقبض على الجمر لتسير إلى أحلامها .. منى الّتي تنفض انتكاساتها بكلّ شجاعة و ترفض بقوّة أن تظلّ موشومة بأقدارها .. كم أحسد ذاك الرسّام الهولنديّ الّذي قطع أذنه و أهداها لغانية ، فعل ذلك في لحظة يأس و احتقار للعالم .. لكنّي أجبن من أن أفعل مثله .. قد أفكّر لاحقا في اجتثاث رومانسيّتي المبالغ فيها مع كميّة الإنسانيّة والعاطفة الزّائدتين عن الحدّ ثمّ إهداء كلّ هذا لحمار لا ينوء بحملها و أخذها بعيدا للاّ مكان و اللاّزمان. و إن كنت أشكّ في قبول أيّ حمار بحمل هكذا أعباء مخافة أن يعيّر بها!!

أحيانا أضحك منك ومنّي و من رسائلنا .. لكنّي أفخر بيني و بين نفسي بهذا النّصر الصّغير الّذي حقّقناه على التّكنلوجيا و الإنترنت . أمس ، سألت محمود عن المتعة الّتي يجدها في قضاء الكثير من السّويعات أمام الحاسوب ليكتب قصصه الصّغيرة و ينفخ في فقاعات أحلامه الصّغيرة أيضا.يقول هو أنّ أفكاره تنساب دونما توقّف أمام سحر الشّاشة الفضيّة . أتفاجأ كيف يستغني عن تعريجات القلم الأسود و الورق الجميل..لعلّه يخشى أن تفضحه الحروف حين يخطّها؟!ربّما ..

صدقا ، أتساءل عن أيّ سحر لشاشة حاسوب باردة و ملمس أزرار جامد؟!

و من هو محمود ؟؟؟ أجل .. أجل .. اعذر ذاكرتي المثقوبة.نسيت أن أخبرك أنّني انضممت حديثا لجريدة محليّة كصحفيّة متدرّبة. و محمود هذا هو زميل لي . أتدري ماذا أسندوا إليّ في فترة التّدريب؟لا ؟؟لا تدري؟باب الأبراج . إييييه ، و لم أرفض .. فليست جلّ بداياتنا مريحة كما نأمل!

لكنّ المثير في كلّ هذا أنّني أحترف الكذب الجميل و أنا أملأ متتبّعي الأبراج سعادة و أحلاما بأشياء لن تحدث إلاّ في مخيّلاتهم.نعم كذب جميل ..أوليس وجودي في حدّ ذاته كذبة .. بيد أنّها أصدق كذبة ...!

و أنت تقرأ رسالتي سترى بإحساسك العميق كيف أنّ دمعي كان حبرا للورق . أنت تعلم أنّني لست سوى حالمة سهلة البكاء.و لا تزال عينيّ دامعتان بعد رحيله. و إن كان مرّ على وفاته شهر كامل.قد كان حكيما و لم يباغته الموت .. فدوما كان مستعدّا للرّحيل.تحدّث عن زمن المغرب الآخر و زمن طنجة الآخر بصدق جارح و متناه . إنّه محمد شكري الّذي لم يرتكب سوى خطيئة الكتابة عن المهمّشين و الملاعين و المحرّمات.رحمه الله!لو أحببت سأجعلك تقرأه..

صدّقني ، قبل أن أكتب لك هذه الرّسالة .. كتبت لك و أنا أكتشف شوارع الرّباط من جديد كما كلّ مرّة آلاف الرّسائل بمخيّلتي .. و كما كلّ مرّة أيضا لم أكتب إلاّ رسالة واحدة على أرض الواقع..الواقع..كم أنبذ هذه الكلمة!!

عوّدتك على رسائل طويلة و ثرثرة لا متناهية .. بيد أنّي آمل أن تعذرني على قصر هذه الرّسالة كما عذر كلامك صمتي أحيانا كثيرة..

لا يفوتني أن أحيّي جنونك اللّذيذ .. و لأعترف أنّك فاجأتني هذه المرّة ..فآخر ما كنت قد أحزره هو أن تختم نشرة الأخبار المذاعة مباشرة هامسا بصوتك النّاعس :

" منى .. أميرة العاطفة .. يشتاقك قلبي .. آمل أنّ قمرك لا زال باسما!! "

و أمّا عن تعليقي فهو ببساطة أنّك قريب منّي كما لو كنت نبضات قلبي ..



استمرّ في جنونك .. و إلى لقاء!

حالمة تحبّك ..












الرسالة (2)


الرسالة (2)

حين التقى الجنون بالجنون

بقلم / عبدالله النصر







بعدما استكان دمك بين أنفاسي.. عببتُ بهيامٍ من تشضِّيه فاستحالت دنياي قبرا.

منى .. يا وجه البحر في الهدأة، و خصلة الشاطئ الربيعي..

مازلنا شهوة الأقدار الحزينة، و لعبة الأيام المريرة.

قرأتُ الألم بالألم.. ماذا يمكنني أن أقول؟.

سجلتُ هذا ضمن قوائم فشلي.. آآآآآآآآآآآآآآآآآه.. آه.. هذا الفشل الذي يئد خطاي الحالمة!

فعذرا عزيزتي.. عقلي قادني لأن أضع ألمك و البكاء جانبا، ليس تجاهلا.. بل لن أكون كنبي صالح يهبك الموعظة و السكون.. فمكاشفتك أراها لا تحتلب هذا الفيض المعروف.

وبالطبع .. حد اللهفة سأنتظر بوحك عن كل ما تبقى من آلامك، أفراحك، آمالك، طموحاتك، رحلاتك العلمية و العملية، اكتشافاتك، زملائك، عن محمود الذي يشبهني في الفعل و يؤاخيني في طريقة القص، وعن محمد شكري - رحمه الله – الذي أشعلت شوقي لمعرفة المزيد عنه، و أمثاله.



مناي، كعادتي حين أغرق في الحزن، أضحك، أضحك، وأضحك!.. والعكس تماما حينما أغرق في الضحك.. كعادة الجميع!.

أتصدقين، محبوبتي منى.. طلقوني ثلاثاً بعد نهاية النشرة الإذاعية المباشرة.

صرختُ: لم أضف ذلك على النص من شعور.

قالوا: بل ليس مسموحاً لك بأن تتخيل أيضاً في مثل هذه اللحظة.

قلتُ: كانتْ معصيتي مباحة شرعاً.

قالوا: وإن.

قلت: لن يرضي الشعب العربي هذا، فأنا معشوقهم ربما سينتفضون، ثم ألا تكونوا منصفين، أنا صاحب خبرة طويلة متميزة لديكم.

قالوا: دعك من الهذيان.. أنت مُقال.. مُقال.. مُقااااااااااااال.

زممت شفتي، قلت: أمممممم.. ليس بغريب على الصحراء مصادرة بوح الزهور وإن كان حلالاً وقتل رواده بثقة!

قبل إصدار مجموعتي القصصية الأولى (البعْث)، قيل لي: (امرأة لكل شيء) و ( الموت بين أحضان امرأة). عنوانان جنسيان، يجب تغييرهما!!..

ضحكت وصرخت في داخلي: هاهاهاها.. ياللوعي!!..



قبل بدء دقائق النشرة، كنتُ أعيش نشوة انتصاري بجنون عشقك.

أفكر، كيف أقيم له في قلبي احتفاءً؟.. كاحتفاء بعضنا بخلق (محمد)، ذلك الذي علمني كيف أستلذ بخمرة حبك شرعاً، وكنتُ أتخيل كيفية تسجيل هذا الحدث على أنصع ورقة للتاريخ؟.

بل كنتُ أفكر، بأن أجعل البشرية كلها تقيم له يوم عيد خاص تُلبس فيه أنصع ثيابها البيضاء، وأجعلهم يهنئون بعضهم بعضاً بتلاقي العطور، الكفوف، الأعناق، الأثداء، الشفاه، والأهلة بالعقود.

نعم، كنتُ سأقيم عيداً يكون نداً لعيد القديس(فلنتاين VALENTINE)، لكنني شعرت بشيء من خيبة الأمل!. نعم، خيبة أمل..

هه.. هه.. هاهاهاها.. لقد تذكرت أني واسمي عربيين!!.



وهناك جاءت الخاتمة.. فانهالت عليّ مطرقتهم بصلافة: دعك من الهذيان.. أنت مُقال، ثلاثاً.

أي هذيان ذاك؟.. لا أعلم!!



لا أدري لِـمَ الحياة كلما هربتُ من الحزن أعادتني إليه؟

أيَّةُ شراسة تلك؟.. بل أيَّةُ نذالة؟.

اكتنفني صديقي فاضل زميل العمل، هدأني مالم أهدأ.. حشد كل مشاريع الأمل أمامي عوضاً عن العمل في الإذاعة.. خرجتُ من البيت لمحاولة تحقيق شيئاً منها، ولكن ـ وآهٌ، آهٌ من اللاكن الاستثنائية هذه، التي تنحتُ بهدوء جسدي وجوهري في جل انطلاقاتي ـ وُئِدَ البحث في خَرِبَةِ القهر التسويفي والطرد، وانكفأت على علاّتي بين دائرة وأخرى. كما لو أنني أحد الفقراء الذين يتكاثرون في بلادنا عند الإشارات الضوئية.



لقد رأيت كل شيء يحاكيني.. جيبي الفارغ.. سيارتي المتعبة.. تلاقي الصفرة بالزرقة.. جفافها، يباسها، تكسرها، وبقعها السوداء!. الشوارع المحتضرة، التي توزع القهر، الدمع، الشتاة، والتيه. وأناس مثلي بقلوب ناعية حظها العاثر تقضي أيام راحتها من عناء الأعمال و نصبها في النوم، وبالنوم.

ولا وسيلة تدفعنا لتغيير هذا الواقع.

وكم أنت محقة في كرهك لهذه الكلمة.. فأنا أكرهها مثلك.. يالها من محصلة حقيقية للألم والهم اللذين نكرههما حتى وإن كنا لحظة الانهزام نعلم بأنه يجب أن نزرع الأمل في نفوسنا ونسير عليه، وإن كان واهنا!.



أعتقد بأنني قلت لننسى الحزن والألم.. هه.. على مايبدو استحالةً ينسيانا.

أصبحنا ثمالة أقدارهما بلا خلاص ولا إدراك لحضيضهما.



أكاد أُجَن وأنا أسرد لك هذا التخبط.. أريد التكلم كثيراً.. أحدثك عن كل شيء، لا لشيء سوى أن أتحدث إلى من يفهمني.. أنت أيضاً تريدين أن تتحدثي معي بسخاء، لكن لا أدري من منا سيتحقق له ذلك بشكل كافٍ، ومن سيلقى الاهتمام الوافي من الآخر حد الاطمئنان؟. ومن منا سيقتل لهاث الآخر؟.

لدي الكثير أحمله لك عني.. لكن ـ يا تنهيدة السِحْرِ، يا لطمية الشفاه ـ سأتوقف لأن لا يشاغبك الملل، وإن كنت تألفين ثرثرتي وتستقبلينها برغبة جامحة خفية ويقيناً ذكائي يستشعرها.

سأبوح في سطور رسائلي اللاحقة حيث فيضي المُغْرِقْ وروحك العطشى كروحي... وأأمل منك أن تقومي بنشر ظلامتي في الصحيفة التي تعملين بها، أو أعملي حواراً لي عن سبب إقالتي من وظيفتي ليقرأ الناس عن هذا المذيع الذي أخذ بتلابيبهم، بل عن هذا الكاتب المهظوم.



آه.. نسيت، آسف جداً.. نسيت أن أبارك لك عملك الجديد.. ألف ألف مبروك، أنا سعيد بهذا جداً.. آمل أن تمارسي حريتك بهدوء.. دون هم.. دون حزن.

وإن كان ذلك، فالأهم منه أن تتذكري بأنني الآن أعيش على حبك بما لم و لن يخاله عقلك أو يخاله عقل بشر.



إلى اللقاء يا نظيرة الألم، وسفيرة الأمل.

عيشي من أجل جنوني ليكتمل جنونك.












الرسالة (3)


الرسالة (3)

في رحيلهم.. عودة لي... !!

بقلم / منى وفيق







ألا من بداية جافّة .. شائكة .. دامية .. أبدأ بها رسالتي إليك ؟! هه ؟؟

أما من رسالة واحدة فقط تنقل هذا الفيروس إليك.. فيروس جراح الرّوح و الجسد .. حتّى تتعلّم ألاّ تشحنني بجمرة التّفاؤل الخبيثة التي تملأني أملا كاذبا في غد لم يجئ أمس .. و تجعلني نجمة نهار حالمة .. !

.. أتدري ماذا ؟ انتظرني لحظة.. ها أنا قادمة منّي إليّ !

... !................! ........ !.....!

هاهاهاهاهاهاهاهاها .. أووووووووووووووووووف .. انتعشت قليلا .. بل كثيرا .. أخيرا وجدت في نفسي بعضا من جرأة خائفة .. حسنا ، لا بأس ببعض من شتائم و لعنات تلقّيتها لكنّها أراحتني على كلّ حال .. أسرّ لك أنّي ما خلت قبلا أنّ الصّراخ فيما بعد منتصف اللّيل يجعلك تنتشي هكذا .. ببساطة خرجت إلى الشّارع و صرخت بلغتي العربيّة الفصحى المنبوذة .. قطعا ظنّني الجيران سكرى خصوصا بعد أن رأوني أعانق جارتي المومس الجميلة فتيحة والعائدة لتوّها من إحدى حانات الرّباط .عائدة هي من رحلتها اللّيليّة.. من توهان مبك إلى آخر مضحك حدّ البكاء!! ذكّرني أن أحكي لك عنها في الرّسائل القادمة. إنّها واحدة من كثيرات اخترن التّعطّر بالزّيت الأسود !! كم أحبّها هاته المومس الطّاهرة في زمن كثرت فيه الطّاهرات المومسات!!

منذ مدّة لا شيء مميّز يحدث معي .الإبتذال و فقط الابتذال، وفي كلّ شيء. رسائلك هي الشّيء الوحيد المميّز و المثير في نبضات حياتي المبتذلة. هذا ما قلته لنفسي هذا الصّباح و ساعي البريد يسلّمني رسالتك رامقا إيّاي بنظرة غريبة. أكاد أجزم أنّه خالك تغلّفني بالدّولارات كيف لا وعنوانك مكتوب بخطّ كبير: عبد الله.. الدمّام.. المملكة العربيّة السّعوديّة. لطفا عزيزي، في المرّات القادمة لا تكتب عنوانك فهو يثير الشّبهات.. و سيّما في هذا الجزء من شمال إفريقيا.

هكذا إذن ؟ محمود يؤاخيك في القصّ و يشبهك في الفعل؟! لا أعتقد أنّك ستحبّ أن يحدث معك ما حدث وإيّاه. المسكين فقد الجزء الثّاني والثّالث من روايته " أشياء تحدث " .. كيف حدث هذا ؟ ببساطة لأنهم سرقوا منه حاسوبه المحمول. نظرت إليه مبتسمة بخبث لا شماتة قائلة: " إن تلك إلاّ أشياء تحدث يا محمود.. فقط أشياء تحدث".. أين هو الآن سحر الشّاشة الفضيّة ليعيد إليه تعب شهور من العمل المتواصل و الأفكار اللّحظية ؟! ها ...!

ذات الخنجر الّذي مزّقني من فراقك يوما هو ذا يمزّقني من فراقها اليوم.. و هاهو حنين ما قبل الرّحيل يشعلني و يقودني من كفر الحياة إلى الموت. لم أنت بالذّات ترحلين يا سناء ؟! كنت أرى قوّتي فيك وضعفك فيّ .. كنت سأتحمّل رحيلهم جميعا سواك.. سواك !! يصرّ عليّ الجميع أن أسعد لسفرك وأدعو لك بالتوفيق .. تبّا لهم و تبّا لي!! وجهتك ولاية أوهايو و جامعة آشلند بالتّحديد . تؤكّدين أنّك ستدرسين بجّد هناك. بل و تسألينني أن أتمنّى لك الحظّ السّعيد لتعثري على عمل وبالتّالي الاستقرار بالويلات الملعونة خمسين لعنة.. أبتسم لك ببلاهة و أتمتم بتعاويذ حفظتها عن متسوّلي هذه المدينة.. أدعو لك بالحظّ الوفير.. آآآآآآه لو تدرين ما فعل سفرك بي.. أيقظت فيّ شهوة الأفعى في الخراب.. ليتني فقط أملك أن أسرق من القدر سلّة أحكامه عليّ و أساومه عنك و عن جلّ من رحلوا..!! يا ليت..!

عبدالله.. يا عبدالله.. أتراني كنت مخطئة حين تراجعت منذ شهر ونيف عن قبول عرض العمل المغر ذاك.. مذيعة تلفزيّة في سيدني الأستراليّة.. أتراني استحققت أن ترميني وقتها بالمتسرّعة؟! أصدقك القول أنّ نزوة الرّحيل كادت تتمكّن منّي.. قلت لنفسي ولم لا يا منى؟ لم لا ترحلين بذات عقليّة القطيع؟؟ لم يجب أن تكوني الاستثناء؟! هذا الأخير الّذي لا يؤكّد إلاّ القاعدة للأسف. أجل، لديّ الشّجاعة لأقول أنّني ضعفت وكدت أفعلها.. و كتلة من الأحاسيس أنا..!

لكنّ الشّكر كلّ الشكّر لمحمد سعيد.. ليس يدري أيّ خدمة أسدى لي في محاولة منه لاغتيال حيرتي بالسّفر أو عدمه: " أي منى.. مبادئك هي مصالحك.. لذا لا تتردّدي في المغادرة لأستراليا " كذا قال وأنا أنعت إحدى قناعاتي أمامه.. قد فتح صديقي الكاتب هذا كما فتحت قبله سناء ندبا كثيرة بأعماقي... .. بيد أنه يجهل أن في رحيلهم عودة لي .. وأني أنجذب يوما لفكرة الهجرة و لا أظنني قد أفعل. ألست أحدّثك عن الرّحيل ؟؟ لم لا أخبرك عنه إذن.. حبّي الأوّل.. أو وهمي الأكبر.. فأنا أعترف أنّ ما حدث لي معه كان حاجة للحبّ أكثر منه حبّا حقيقيّا.. و ليتني ميّزت هذا قبلا.. هو أيضا كاتب.. من ذاك النّوع الّذي ليس يعرف سوى ترديد الكلمات الرنّانة.. فنّان في ملامسة المشاعر.. متألّق في جعلك تتوه داخل متاهات روحه ثمّ لا تخرج إلاّ و أنت توّاق للعودة إليها!!

كان يردّد أمامي ضحالة فكرة الهجرة.. ليفاجئني بحماسه الكبير للذّهاب لإسبانيا، فعلى حدّ قوله أرض الله واسعة بما يكفي ليبحث عن كرامة لم يجدها هنا.. أعلم أنّه سيعثر عليها وهويساعد الإقتصاد الإسباني بابتكار آخر الطّرق لقطف الطّماطم والحصول على الأسماك دون اصطيادها.. إييييييه ومن يدري؟؟

عزيزي، لم يتفنّن ّ أغلب مبدعينا بانتقاء الكلمات الرنّانة و ترديدها على مسامعنا.. أتراها موضة من موضات العصر؟ هاهما شاعرانا ال..صّادقين جدددددّا وبعد إصرارهما على ضحالة تلك الجائزة النّفطيّة الحقيرة يتعطّران بزيتها الأسود كما جارتي فتيحة.. ويجعلانني أدرك أنّ أصدق الشّعر أكذبه.. هاهاهاهاهاها ..

عبدا لله، كلّما هممت بالتّصالح مع ذاتي أفشل .. فأحبّ الفشل.. وأغرق فيه غرقا هو أقرب للذّة علقم.. أتراك جرّبت تلكم النّكهة؟

حسنا.. لن أقول أنّي أحسّ بالذّنب لأنّك طردت من عملك بسببي. صراحة، أسعدني ذلك فأنا كنت منذ البدء ضدّ فكرة تقديمك للأخبار.. و استغربت جدّا قبولك الأمر بتلك البساطة.. و تفاجأت أكثر وأنت ترضى بحذفهم برنامجك "الهيمنة الخلفيّة " و تعويضه ب "شاهدت لكم “ لك تهانيّ القلبيّة بطردك.. سعيدة أنا لهذا.. و إلى آفاق أصدق و أرحب إنشاء الله حلّق.. حلّق.. حلّق يا نورس الصّحراء... !!

إلااااااااااااهي.. إنّه آذان الفجر.. فرصة أخرى لأصلّي و أتصالح مع الله.. محاولة أخرى قد تنجح ربّما..

أراني دردشت معك مطوّلا.. و آمل أنّك أحببت هذا.... و لا داعي أن تعاتبني لأنّ هاته الرّسالة لم تحمل ولا كلمة حبّ واحدة .. صدّقني لا أشعر بقدرة و لا رغبة بقولها.. و أنت خير من يعرف أنّي لا ألفظ إلاّ ما أحسّ.. و عتبك مقبول على كلّ حال..

سأنتظر رسالة مختلفة.. أريدها كلّها نكات .. لنضحك و نضحك.. لكن دون وجع..

مرفق مع رسالتي روايتا شكري " الخبز الحافي " و " زمن الشطّار " و لنا معهما وقفات..



لو كانت للعالم حتميّة الزّوال.. فهي تأتي من هناك.. من روحي!

العائدة من رحيلهم










الرسالة (4)




الرسالة (4)

وفي الشنق حياة لي

بقلم / عبدالله النصر





نعم.. مناي.. تريدين منِّى رسالة مختلفة.. مشحونة بالنكات الضاحكة.. إذن عُدِّ معي.. قمبلة.. قمبلتان.. ثلاث.. أربع.. عشر.. مائة.. ألف.. ياااااي.. يا إلاااااااهي.. كم أضحك على عالمنا الضادي هذا؟؟؟؟

هاهاهاها.. حيث أن تلك القنابل هي عدد العاهرات اللاتي أصبحن فيه سلاحاً وجيشا لو جمع يكفي لغزو المحتل!.



تُف.. العاهرات لا يعجزها تحريرنا.. ونخبة الوعي مازال صدى الدعوة يصدح في آذانها: أن مازالتم بحاجة إلى ثورة ثقافية وعقلية وفكرية في نفوسكم وعقولكم وهويتكم، أكثر من حاجتكم إلى انقلابات أو حروب أو كوارث تطيح بباقي هذا المجتمع الذي انقرض، أو أوشك.



أتصدقين.. بأنني حين أمارس شيئاً من التنفيس، أشعر بشيء من التربيت على الذات المتورمة حنقاً من الوضع.. كالحلم تماماً.

هااااء.. التنفيس معك خاصة.. فأمثالي ليس بوسعهم التنفيس عياناً بياناً، ولا يملكون صوتاً واحداً لفعل ذلك.



آه.. تذكرت.. الحلم.. حلمي الساذج الأحمق!.. ذاك الذي وكأني فيه خرجت في منتصف ذات ليلة حاملاً حلماً آخر ـ هه، حلم في حلم! ـ تسلقتُ جبيلاً كان يقبع في وسط صحرائنا.. ناديتُ فوقه بأعلى صوتي ـ الظاهر أن الواقع والحلم على حد سواء في أنه إذا أراد أحدنا أن يقول شيئاً للناس أجمع يتسلق أعلى قمة يستطيع الحصول عليها!! ـ ناديتُ: هأأأي.. هأأأأأأأأأأأأأي.. يا ضمير العالم قف هنا.. واقرأ بعين الصدق روايتي البائسة.. اسمع عبر كل سطر من روايتي أصوات صراخ قلبي... يا ضمييييييير العااااااااااالم شاهد كيف يكون تدرج الموت في حياة مهملة.

لكن لن تصدقي أبداً إن قلتُ لك عن الذي أجابني في تلك الأثناء.. قبل أن أقول لك أغلقي باب ونافذة غرفتك على نفسك حتى لايسمع ضحكتك أحد فيدعوك بالجنون.. فهي كلمة عادة ما تنسب إلى كل من يضحك حتى داخل بيته بصوت عال ومسموع!.

لقد أجابني ذئب بعوائه كعادة الصحاري حين تجيب!.. هاهاهاها.. لا، بل اقترب مني ونهشني.. فتوسلت إليه قائلاً له ببلاهة: لا.. لست أنت ضمير العالم.. أرجوك ابتعد عني.. لكنه تمادى.. فصحوت ضاحكاً.

ربما ستقولين هذا الأمر مبك وليس مضحكاً.. ولكن أراه مضحكاً، فالذئاب بلا ضمير وإذا أجابت فإنها بالتأكيد تكون مسالمة مع نفسها وفي حالة إرهاب من الآخر.

وااااااو.. أنا كتبت: إرهاب؟!.. لأول مرة أكتبها!!. لكن أرجوكِ منى أرجوك احرقي هذه الرسالة بعد قراءتها، وإلا سيجرونني في الأسواق، وأنت ضعيفة من الممكن أن تنهاري، وانهيارك يجرك لأن تكوني عاهرة.



لنعد إلى موضوع العاهرات.. نعم، إن بعضهن طيبات كما قلتِ.. لا بل حتى الراقصات أيضاً.. أتصدقين بأنهن في اليوم الذي ترى إحداهن شهيداً تقطعه سنابك الدبابات.. يتوقفن عن ممارسة الرقص والمياعة.. حداداً.. وتضامناً مع أمه بذرف الدموع خلف الشاشات.. لم يكترثن لخسارة دخل لذلك اليوم. يالهن من مضحيات!!.

لكن أنا عكسهن تماماً كوني مثقفاً أعمل بما يعمل به الكثير من المثقفين أمثالي، أفتح قناة ( روووتي) الغنائية.. وهااااااااااات يا رقص.. أرقص.. أرقص.. وأرقص حتى الثمالة.. محاولة منِّي لاكتمال رجولتي وإثبات ثقافتي وانفتاحي!.

لكن تعالي.. منى.. كيف تُستنكر مهنة العاهرات والراقصات تلك، إذا كانت هذه المهنة قد تأسست لـ "دفع الموت".. هااااااء.. كيف؟

وكيف نحاسب صبية تبيع جسدها، إذا كانوا صانعوا أحلامها ومنتجوا المعاني والقيم الفكرية، مناضلوها ومثقفوها المنتظرون، باعوا أنفسهم في سوق نخاسة؟.. أو شُرِّد بعضهم في المنافي ليموتوا موت البؤساء؟.. أو باع بعضهم كل شرف لديه من أجل منصب أو مال لا يحتاجه حاجة ملحة كما هي تحتاجه؟

أليست هذه سخافة؟..

ويا للسخافة أيضاً منّي، هذا الموضوع قد قتله الناس بحثاً وتمحيصاً وخرجوا بنتائج منطقية له، وأنا مازلت أردده كالببغاء!.

لكن ربما يشفع لي عذري يامنى.. فأنا أحد أولئك البؤساء الموصدة أمامهم الأبواب.. وبعد أن شردوني وجرّدوني من وظيفتي، أصبحت عالة أيضاً ولا أمتلك حولاً ولا قوة لأكون مُفَعِّلاً.. لا تقولي كتاباتك ستؤكلك خبزاً.. فنحن نقر بعدم ذلك.. إلا أن نكون بخلاف كاتبينا الأغرين ( المصري/ صنع الله إبراهيم، والمغربي/ أحمد بوزفور) وغيرهما..

أنا متنبئ بأن هذه المشكلة ستبعدك عني كثيراً.. وخاصة حين قرأت رسالتك الفارغة من مشاعر الحب، وخالصة للبوح، بالرغم من تبريرك.. لكن هاأنذا أماثلك.. ليس من أجل مقابلتك بالفعل، بل لأن القدر هكذا يريد.. يريد لنا طريقاً أخرى أكثر جفافاً.. لكنني في الجانب الآخر أشعر ـ على الأقل ـ بأننا مازلنا متماسكين من ناحية حاجتنا إلى بعضنا في أن يسمع كلانا الآخر.



ها.. عزيزتي.. ما رأيك في هذه النكات؟.. أليست مضحكة؟!..

لأكمل لك البقية مادام في الورق متسع..



صديقي فاضل حين زارني ليلة أمس.. كان يضحك منّي ملء شدقيه.. وقال بأنك بفكرك الوحيد تريد تغيير العالم؟.. فهيهااااااااااااااات..

نعم لديك مهنة غريبة "مثقف".. لكنك في عداد الناس الذين لا يجيدون فعل أي شيء على الإطلاق، اللهم إلا الإنتاج الرمزي، وإنتاج الأفكار والكلمات.

هذه الأفكار تحتاج لمن يجسدها لكي تصبح موجودة قادرة على تغيير الواقع، أي أنها تحتاج إلى حركات اجتماعية.. ولذا ما المنفعة من وجودك ووجود أمثالك، وما هو مستقبلكم؟



ضحك كثيراً، فأكمل: حبيبي.. ليس سوى الدِّيك الذي يصيح في مملكة النائمين حتى بعد طلوع الشمس. والشباب هو المسموح له أن يمارس مهاتراته في كل مكان.. بينما أنتم ستبقون محاطين بالأسوار؟. بل ستبقى مقولاتكم في عداد الأقوال والوعظ مع أن هذه خيانة لأخلاقية الذكاء؟..

ولا أحسبه يضحك من فرح أو يقول ذلك عن قناعة، لأنه كان يمتلك ذات اللعنة سابقاً.

تنفس بقوة وأكمل: أنظر إلى نفسك.. قاربت الثلاثين.. وشعرك قد ابيض بعضه وغادر أكثره.. تجاعيدك قد جلست على العرش.. الخ.. ومازلتَ لا تمتلك بيتا ولا زوجة ولا وظيفة أيضاً..

دعك من المهاترات.. ياعبدالله .. وإلا فاعمل لتعيش بتجميع العلب المعدنية من الشوارع والقمامات إن سمح لك، أو امتهن الغناء كغيرك وإن كنت لست علبة فارغة أو فتاة جميلة إن تعرت حازت على الشهرة بسرعة.



ومن هنا لم أوبخه أو ألمْهُ.. لأن ما أؤمن به كان ذات قرن، وذات زمن، وذات عصر سُمي "ذهبياً"، و"شغوفاً"، و"مجنوناً". لكن صارت كل هذه الظواهر وراءنا فعلاً. في ذمة الموت. حتى لم يقتصر الأمر على نعي المدارس الفكرية والإبداعية والفلسفية، بل الفكرة ذاتها. فصرنا نسمع ونقرأ من يقول " الفكر مات" و"الشعر مات"، و"المسرح مات" وكذلك السينما، والإذاعة والرسم. والإنسان. والجسد: موكب جنائزي يليق بعصر كامل.

وفكرة التغيير (وبذرته أيضاً) وُضعت في صدارة لائحة المفقودين والموتى.



لكن الشاعر أحمد القدومي يقول في أبيات له:

(( الكلمة في وطني جحود ، والكتابة زندقة

لا تيأسوا فلكل من عشق الحقيقة مشنقة ))

وقد عُـلِّـقتْ في رقابنا تلك المشنقة.. يامنى.

ومن هنا ستبدأ حياتنا..



أتتذكرين بأنني سبق وأن قلتُ لكِ بأن آرنست همنغواي قال ( يمكن سحق الإنسان، ولكن هزيمته مستحيلة). فسألتني: ألا ينم سحق الإنسان بهزيمته؟. ولم أجبك حينها؟.

اقرئي جوابي: على الرغم من أنني أشعر بهزيمة هذا الجسد.. إلا أنني لم أشعر بأني مهزوم في معناي.. إذ أن صاحب الفكرة المقدسة والفكر السامي لا ولن يهزم أبداً في معناه.. سيبقى راسخاً في عقول الواعين، وسيناضل من أجل فكره اليوم أو غداً.



ولذا، سأبحث عن عمل ولو أن طردي من الإذاعة سيصبح عاراً يلاحقني بوصمة نُحِتَتْ على جبيني وعلى شهاداتي العلمية والعملية والمهنية.. سأعمل ولو في محل تصليح للإطارات.. فالمهم أن أحاول بكل ما أوتيت من قوة أن أحقق منّي شيئاً وإن كان خارج الحدود.. وأحقق منكِ كل شيء إن بقيتِ لي.



مناي.. لن أمنعك من العمل في أية دولة في العالم وبأية وظيفة تشائين.. نعم سيحزنني فراقك.. لكن قبل أن تقدمي على أي من ذلك، اعرضيه على عقلك ودينك، فإن وافقهما، فاعملي.. وإلا فلا.



لن أطيل، فأعتقد بأنه مازالت أمامي الطريق مفتوحة لإكمال مشوار البوح معك في الرسائل المقبلة.. ولن أفسد عليّ متعة المتابعة معك لأقرأك وتقرئيني أكثر على مهل وبوقت أطول.. وسآخذ في الحسبان أن هناك من يحاسبنا بلا رحمة مقابل إرسالنا حزمة هذه الأوراق إلى بعضنا عن طريقه.



وتقبلي اعتذاري إن كنت قد فشلت في إضحاكك.. فالألم هو مصدر وعينا كذات كاتبة، ومكمن إحساسنا الشعري بالوجود، وعليه تستدعي هذه الكتابة كافة الحواس للتعبير عن شهوة الحياة.



كوني شعلة في أديم توهانك.