‏إظهار الرسائل ذات التسميات أقرأ هنا .... إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أقرأ هنا .... إظهار كافة الرسائل

قراة في المجموعة الثالثة



 
من قاع النسيان

بقلم القاص / عبدالله النصر




المجموعة القصصية الثالثة



الصادرة عن دار الكفاح للنشر والتوزيع بالدمام
عام 1429هـ - 2008م
عدد ورقاتها 108  ورقة





قصص المجموعة عشرون قصة ، كالتالي:


1.                 تفاسير.
2.                 رماد تفترسه البربرية.
3.                 أثداء لا تطفئ العطش.
4.                 صراع القوى .
5.                 لحظات اكتشاف.
6.                 باب إلى جهنم.
7.                 صدى الأمين الحائر.
8.                 من قاع النسيان.
9.                 حلم بحجم الضياع.
10.              لبنة في الماء.
11.              مضي على شط الفتون.
12.              من منفى إلى منفى.
13.              اجتراح.
14.              احتضان.
15.              في قتلي حياتي.
16.              قارعة حلم.
17.              حين لن يأتي الحلم.
18.              جين الإخلاص .
19.              كالاسفنج.
20.              لعن الانسياق.




عن المجموعة



بقلم: صالح غريب



عن دار الكفاح للنشر والتوزيع – بمدينة الدمام.. في عام 1429هـ غرة شهر شوال.. أصدر للقاص / عبدالله النصر مجموعة القصصية الإبداعية (من قاع النسيان).. وهي ضمن مجموعة إبداع التي تقوم الدار بتبنيها طباعة وتوزيعاً ونشراً كأفضل ماتختاره للمبدعين، فاحتلت المجموعة الإصدار التاسع، علماً بأن هذا التسلسل الرقمي لايمثل رقماً تفاضلياً، بل ترتيبياً.

تضمنت هذه المجموعة عشرون قصة قصيرة، طبعت في كتاب من الحجم الصغير، بحجم الكف، عدد صفحاته مائة وثمانية عشرة صفحة، وقد ظهر الغلاف بحلة رائعة، بدا بشكل شرفة جميلة، تطل على لوحة للفنانة التشكيلية السعودية/ خلود آل سالم.. والإهداء في هذه المجموعة كان لوالد القاص نفسه، حيث قال(إليك بعض ذاكرتي يامن كنت رمزاً ومثالاً للعمل الدؤوب.. والآن تتقيا أتعابه!!.. إليك أبي..).. الذي تضمنت بعض نصوصه الحوار معه مابين اللوم والتأييد.

الجدير بالذكر، أن النصر كاتب يوقن بأنَّ النصَّ القصصي خطابٌ يعبِّر عن الواقعٍ الإنساني ويطرق أبوابه الاجتماعية والنفسية، يهدف إلى استيقاظ العقليات التي تعيش في أبراجها العاجية البعيدة عن الواقع ذاته، لتسعى بكل تواضع بالمواقف الممكنة لمد يد المساندة والعون والإنقاذ لمن هم في قاع نسيانهم.

ولهذا فإنّ تجربته القصصيّة تتجاوب مع الواقع الاجتماعيّ والعربيّ تحديداً في أزماته الاقتصادية والنفسية الحادّة. وهو في مجموعته القصصيّة الثانية " في المنعطف" كما في مجموعته الأولى " بعث في خلايا مستقيلة".. هذه المجموعة، تُعدُّ ضمن نقاط التحوّلٍ النوعيٍّ في تاريخ السرد السعودي.. وفيها يعرض علينا شخصيّات اختارها بعناية ودقة من بين المهمشين والمتجاهلين والمنسيين، ووضعها في مواقف سرديّة حممية، ملتهبة، متفجّرة، بلغة فصيحة ألفاظها العالية والراقية، وحوارات تزيد منسوب المعطيات، وصور دقيقة واضحة، وأسلوب مشوق إلى نهايات مفاجئة أكثر إضاءة وتنويراً.. حيث راح يطوّر أحداثة بحنكة ومهارة، وصبر فائق، ليكسب تعاطف القارئ ويُنتِج الأثرَ المطلوب في نفسه.

منذ الوهلة الأولى لولوجك هذه المجموعة تشم رائحة الإبداع الذي يأسرك عطره النفاث، بدءاً من العناوين القصصية الشائقة، التي تأخذ بيدك إلى نفسها، فتنقلك من أولها إلى آخرها أسيراً، حيث ما إن تنتقل من (رماد تفترسه البربرية) إلى (أثداء لا تطفئ العطش) إلى (جين الإخلاص) على سبيل المثال، إلا وتشحن بالتآويل وتثخن بالتخمينات التي تشدك إلى دوحة النص القصصي ببراعة.. حتى تنتهي بالنص الذي يختلف في قوالبه المتميزة، وتراكيبه المتفردة، ليظل لكل ضرب منها له خصوصيته التي تميزه عن غيره من الأنواع الأخرى في المجموعة، ومن هنا تجد أن هذه الميزة لا تجعل من القارئ يخلط بين بعضها البعض، باعتبار أن هذا الفعل يعتبر ضمن الأمور الساعية إلى طريقة التجديد التي يراها الكاتب ليأتي بما لم يأت به غيره.

يأتي هذا الفعل الإبداعي، الذي تكتنفه سمة الشعرية المخففة، ضمن الخواص التي يتعارف عليها جمهور الكتاب الجدد في السعودية، الذين يرون، كما يراه الكتابة بقوله (بأن شعرية السرد لا تنهض من اللغة وحدها.. وإنما إلى جانب اللغة أيضاً.. بالنظَر إلى الحالات التي ينبثق عنها السرد نفسه.. وكيفيّة اِنبناء تلك الحالات.. هي التي أخرجت هذه الشعرية.. بل أخرجت الصورة الوصفية التقليدية من جمودها.. فضلاً.. عن أنها جعلتها.. إيحائية.. تأويلية.. ذات دلالات متعددة.. تفتح الجملة على المجاز والاستعارة المرتبطين ببنية العمل ورؤيته.. بما يساهم في إثرائه وتوسيع مجال غناه.) بل أنه حاول في كتابة السرد بأن يكتب بلغة ألفاظها عالية، ذات استعارات ومجازات قوية، محاولة لإرضاء النقاد أيضاً الذين يحبذون مثل هذا النوع.

أخيراً، أقدم الكتاب النصر على بسط ذراعية في مجال القصة القصيرة، محاولة لاستخلاص ما اكتنفه من إبداع المبدعين الذين اطلعوا تراث النوع الأدبي، وتمرسوا به، ومن خلاله أضافوا أو حذفوا أو طوروا أو أبدعوا في كل جوانب القصة، بما تسمح لهم به ثقافتهم وموهبتهم التي ربما يتفق عليها النقاد والقراء المتمرسون بالقراءة المتفحصة والدارسة.

الكاتب النصر، جاء (من قلب النسيان) بخطى خفيفة، هادئة، وامتثل بكل براعة أمامنا في دائرة الضوء.. ليقف تماماً أمام أبصارنا بكل جدارة وفخر.. لذا كم هو جدير بنا تلقيه بالأحضان الدافئة.. ومن هنا حري بنا أن نذكر بأن دار الكفاح تقوم بنشر وتوزيع هذه المجموعة عن طريق فروعها في الدمام/الرياض/جدة، وكذلك بعض المكتبات المشهورة كمكتبة جرير والعبيكان والمتنبي بشتى فروعها.



تفاســـــير


تفاســـــير





عِرْقٌ ينبضُ بشدةٍ في ذراعيَ الأيمن.. حَدَسْتُ بما عرفتُ: أنه خَلَجَةٌ من خَلَجَاتِ الجسد!.

فتحتُ كتابَ تفسير الخلجات.. قرأتُ ( نبضٌ في الذراعِ الأيمنِ = اجتماعٌ مع مَنْ تُحِبْ)!.

الكونُ لم يسعْ فرحتي.. وبولهٍ يتفاقم، بقيتُ أنتظر.. كلما مرتْ لحظة أو ساعة أو يوم، ويأتي فيها أي من الأحباب، أو الأقارب، أو الأصدقاء، أو أيُ أحدٍ كانْ، إنسٌ أو حيوان.. أخمنُ بأنه هو ذاك من أًحِبْ.. بيد أن النبض لم يهدأ حتى بعد اجتماعي وكل من أعرفهم ومن لا أعرفهم.. ومع هذا مازلت متفائلاً، فربما هناك حبيب خفي سيفاجئني بنفسه لحظة ما!..

مرت ثلاثة أشهر ولم يهدأ النبض وكل آتٍ وحاضر.. لم تتحقق النبوءة فيستريح تفكيري!.

النبضُ يستفحل في كل يوم مقبل.. فرحي، تفاؤلي يضمران في كل يوم ينصرم.. غدا مكان النبض يؤلم ذراعي بشدة حتى بدأت أشعر بثقله.. ففررت إلى الطبيب!.

الطبيب الذي قال لي مشدوهاً: ( ستبقى تحت رعايتنا في المشفى، وليتك لم تتأخر عن المجيء للكشف).. أجرى عليّ الكثير الكثير من الفحوصات الدقيقة، ولم يعرف السبب!..

بعد أيامٍ أُخر، تفاجأتُ بالطبيب يائساً، يعلق ذراعي في رقبتي قائلاً: الآن قد هدأ نبض ذراعك، لكنه أصبح معاقاً!!.



28/12/1426هـ




رماد تفترسه البربرية




رماد تفترسه البربرية





( إن تشعر باهتمام إنسان ما، تُحَـلِّقُ به نشوان)

هذه فارسة تمتطي خيلي منذ أن كان رفيق الدراسة (سامي) يوقظ لي استفهامه كلما ابتذلت عيناه في عينيَّ: ( ألم يحن موعد زواجك؟).. كوْني يَنْصُتُ ويَسْبَحُ في كوْن الحياة حين أسمع منه هذا الاستفهام.. آلهة نشوتي ترقصُ على ألحانِ ملائكتها داخلي.. ولذا قرعتُ باب سمعه ومغناطيسيته تجذبني إلى صدره:

- قريباً .. قريباً، يا أعز إنسان على قلبي.

لكن حين سافرت الأيام وكرر لي السؤال ذاته.. أجبته ببسمة فتاة في يوم خطبتها:

- الأسبوع القادم بتوفيق الله.

- أحقاً؟!!

سأل مملوءاً بالفرح، بينما يميني تتلبس يمينه بهدوء حتى التعرُّق والامتصاص.. فبادرتُ (نعم).

سامي صائب الحدس والنبوءة.. في صدره يجثو تاريخ النقاء.. يرتمي شموخ بحر الله.. أرقدني ـ مذ بدأ يكرر ذلك السؤال لي ـ في عهر القلق وبغي الهم.. ولذا أردفتْ الفارسة بأخت لها: (والعلم بالخفايا قد يؤدي إلى راحة ما للبعض.. بيد أنه لا يؤدي إلى الاستقرار للبعض الآخر!!).. فرأتْ هلوسات قلقي فرصة لتستكين منه:

- سامي.. أحب منك هذا السؤال كثيراً.. لكن لِمَ أنت تكرره لي خاصة كلما رأيتني؟

ملامحه وقفت على خط الذبول والارتخاء.. شفتاه أُطْبِقَتْ على هزِّ المنكبين، وقوافل ابتسامته الواهنة حطتْ على أشفارها.. أجاب:

- أممممممم.. لا أدري!!.. لا أدري!!..

فكره المُترع بمرافئ السكينة، ما اقتلعني من براثن الرمال المتحركة.. أغرق مهري الجموح في فوضى الرعود.. والدور الآن للأيام.



*****

مر الوقت بافتراسي.. الطفل بداخلي ينازل ( لِمَ يكرر هذا السؤال لي.. لِـمَ؟!!).. لم تستقر بوصلتي.. ورَّطتُ صديقي (خالد) في السؤال.. أسْفرتُ له معلقاً أنامل قلبي بأطراف حباله، بيد أنه صرعني بعدم اكتنافه العلة الأكيدة.. بالرغم من أن السؤال أوقره ظهره، إلا أنه صنع له عللاً كثيرة سجدتْ على لسانه، حين قال:

- ربما سيفاجئك بهدية قيمة، لأنك أقرب الرفاق إليه!!.

- ربما لأنك تعديت كثيراً وقت الزواج المتعارف عليه!!.

- ربما يظن بأن الزوجة ستكون قادرة على تغيير واقعك النفسي القلق مع الحياة!!.

- ربما لأن الزوجة قريبة له من البعيد ويهمه أمرها!!.

خمن ذلك وقد أعتق من بين شفتيه تخميناً آخر سرَّحه بمزاح مبالغ:

- أها.. ربما ستموت أنت في ذلك اليوم!!، ستموت!!. قال هذا وهو يردفه بضحكة كبيرة: هاهاهاها.

هذا ما منحني به من مِنَنِ تخميناته، بيد أنه ماهزم شهقات القلق.. لم يكف أكفها عني بتكهناته. بل إن تخمينه الأخير قيدني للخوف المتسامي.. ملأ بالوسواس صدري.. أحاطت هواجسه بقلبي.. وثمة مَنْ أتى خلفي وقلَّبني، فتمتمتُ:

- ربما هذا صحيح، ولذا سامي أخفى عني الحقيقة؟!!.

*****

في ليالي اقترابي إلى جنة الفراشات، صالة التكهنات.. ما وجدتُ دليلاً إلى النوم!.. فقد تأرقتُ بلعنة السؤال.. تأججتُ بوحشية التخمينات.. أُدْميَ جسدي لِـحِدَّةِ رأس النتائج.. الحقيقة عصية.. في غرفتي المجهزة لاستقبال عذرائي، لم تشغلني زواياها المزوقة بتحف وورود الفرح.. رأيتها كئيبة.. تمتد في وحشتي.. أفقها باهت.. وحين تماهى الظلام بالظلام، والتصق السرير بالسرير.. استسلمتُ للوسواس فغدا أكثر خطورة في قوافيَّ.. أصبحت تفعيلاته تغويني:

- هل حقاً سأموت في يوم الزواج؟!!.

- وإذا كان هذا التخمين حقاً، أيفترض أن أكمل الزواج لأشعل في فتاتي نار الفقد؟

- سأوقف هذا الزواج!!.

القلق استغلني كما يسْتغل كل القلوب.. صلب جسدي على مذبحته، قسا وتغذى على أوردته.. انعطف بي إلى منحى خطير زلق.. فارتكب فكري هذه المعصية بحريته وخياله كجزء من مبادئ الاستنتاج، وكأنه قد غُزِيَ بمخدر قتل قدرته على الاختيار الصائب، بيد أني سرعان ما عدتُ بدفتِهَ إلى الجادة:

- لا.. لا.. الموت والحياة بعلم الله، ليس بعلم أحد، ولذا سأكمل مشواري، وليفعل الله مايريد.

*****

رحلتْ أيام الأسبوع هاربة إلى التيه.. مترنحة مابين نكسة خوف وسلطان قلق وما بين تشعشع انشراح وبلوغ نشوة.. حساسية دم بمعنى.. طغيان عاطفة على فكر.. في صالة التخمينات عصراً، للأفواه رائحة نشوى.. لشارعنا الرملي الطويل وبيتنا بأكمله، خضاب من الألوان مريح.. للأجواء الأليفة صخب مبهج.. لكن ما إن أقبلت الساعات الأخيرة من بعد الأفول، حيث يبدأ الليل يمسح الأسماء، وتتسنم الأنصاب الأجساد.. حتى شعرتُ بانقباض في صدري واختلال في شعوري، ما أخرجتْ أبوابي المعتقة علته!!، عاد قلبي إلى خطرات الظنون:

- يا إلهي، لابد وأن نبوءة سامي حقّا وقد حان موعدها؟!!.. هل سأموت؟!!.

هي ذي مرآتي الباطنة، ترمي بي في محارق الموت.. تحريت أجزائي، لم أقع على شيء يقرر بأنني مريض في جسدي، أو هناك مايشي باحتضاري.. فوجهتُ دفة الظنون إلى أقاربي: لابد أن أقاربي قد أصيبوا بسوء، وهناك تكمن النبوءة!.

تفقدتهم جميعاً بتقاطيع الوجوه.. لم أجد تفسيراً لفرط الهاجس!!.. تبرج الكابوس على ملامحي.. كشف الاضطراب سِمَاتي سألني والدي: مابك؟!!. عرّيتُ الأمر له بكلمات مرتبكة.. خلته أقام على خط النار.. بيد أنه ضاجع ضحكاته محاولاً طمأنتي قائلاً:

- لاشيء سيحصل من هذا ياولدي، بإذن الله، وأعتقد أن ما بك الآن ربما لرهبة الساعة الأخيرة للزواج!.. كُنْ مطمئناً.

لكن أنداس غرْسُهُ.. مازلتُ فوق المقصلة المهيبة، والرقص من الرعب!!. بحثتُ عن خالد الذي هذَّبَ أشجار بستاني طيلة الساعات الأولى، فقد بَعُدَ عن لحظات عيني المرفرفة أهدابها في الفنجان المنثور.. لم أحتفِ به، بل لم أحتفِ بالكثير من الشباب والرجال الذين عهدتهم حولي يغسلون ركامي بأجسادهم وأرواحهم، كما خفَّتْ حركة النسوة وخفَّ صخبهن المريح.. افترشني الاضطراب.. جلدني الخفقان، فانسحاب قوي إلى الأسفل داخل نبضي.. نثُّ جبيني.. تقاذفتني الظنون، بدأتْ تُلمِّحُ لي بنـزول المشنقة.. بيد أن القدر لم يمهلني كثيراً في لحظات العبث والهدم، فأموتُ جاهلاً.. كما تنبأ لي خالد.. لم أتنفس الثلج لأطفئ ناراً أشعلها القلق والخوف على خروج روحي.. لم أتنهد راحة لأن السهم لم يصب قلبي بالذات.. بل كالنسوة لطمتُ وجهي المبهوت مصعوقاً، وشققتُ جيبي المضغوط مهتاجاً.. بل زفرتُ مالم تبلغ الثاكلة ملاءمة كيفياتي الحرى.. حين زَفَّتْ إليّ الذاهلات خبراً لجم فم الأرق البربري الفتاك.. خنق ظلامي المفترس، ليحل محلها فاجعة موت (سامي) في حادث سير!!.



1/3/1425هـ





أثداء .. لا تطفئ العطش


أثداء .. لا تطفئ العطش


حَدُّ ذكائي غرق. حَدُّ انبهاري جمود. حَدُّ شوقي اضطراب. حَدُّ انتظاري تخثر، سكون، احتضار، موت...
ثلاثمئة وستون نبضة للساعة ترحل على مواويل العذارى.. لم تزل صفحة المنتدى الإلكتروني باردة.. برود مُلاّكها ومُرتاديها.. جافة، جفاف شفتي.. تُشْهِقُ، شهقة وجدي.. تئدُ، وأد أملي.. أقومُ بتحديثها، إحيائها، فأحيي لهفتي.. لا أجدُ إضافة، فأعود كالأرض التي يعلوها السحاب، فيغادرها لتبقى كالربع الخالي وصحراء النفود.
بلا يأس، أحييتها بعد أربع دقائق.. بل بعد ثلاث.. واثنتين.. وواحدة.. أحييتها بالذبذبات الجارية في أسلاكي.. أحييتها باللمسات التي تأسر إحساسي.. أحييتها بازدراد لوعتي.. فخيبة تصطف لمعسكر خيباتي.. ما رتقت حصّتها في فؤادي مشتهاها.. أكمل سورة المدى والقفار.. أشهق:
يالهذا الموت!.
قبل أن أفرغ من البعث، من تركيب خَلْقي على أرض المجاعة والاستعطاف، أغلقت رسالة صديقي الناقد التي أرسلها لي في جوالي (الموبايل):
(سيدي.. هذه حروفك تضمخ بالأريج مساءاتي، وتملأ جنبات مكاني ضوءاً وألقاً وبهجة.. عشت معها بكل مشاعري، وما أشبهني بالذي يهذي في قصتك .....).
لم يكن الوهج الأول أستقبله بالانتشاء، ولا المائة.. لم تُحْتَكَر عني.. بل لم يجدِ احَتَكارَها.. ما كانت سمائي يوماً تحتكر النافذين منها.. سلطاني قد أمد سلطانهم.. نعم، يحْتَكِرني القلق مُذْ أن وضعتُ أول بوح لخلية من دماغي على طاولة التشريح.. بعد أن عصرتها في السكون بهدوء حتى الموت لتحيا خلايا أخرى على إثرها.. لكنني لم أتوتر من المبضع الذي يُشَرِّحُه ليفضح أمري، وأُعْدَم.. بل هو قلق آخر يمشي بي انتحاراً فانتحار..
في اللحظة التي انْبَعَثَتْ بضوئي الأربعيني.. ألواني تغادر إلى ألواني.. رجل إلى طفل.. أحاول بامتزاجها سد مجاعتي، وهاجس يتملكني حد الشهوة وأنا أُقَلِّبُ الفراغ.. أهيم في وريدي بحثا عن الأمنيات القتيلة والذكريات الدفينة.
أبي.. أبي.. لقد نجحت.. نجحت.. سوف أنتقل للصف الرابع..
مبروك.
قالها بتلاقي الأقطاب الثلجية.. ثلج هنا.. حِمَمٌ هناك.. لاشيء آخر يملأ قِدْري.. تصرخ معدته التي تخرج أمعاءه إلى الأمام بما يجلب السخرية والضحك.. ينفعلْ:
وأنتِ.. هأأأأى.. جِيْبي الغدا بسرعة؟.
مصباح الخوف تَجَدَّلَ من الأشواك والرياء والتخاذل والضعف.. فالتقى الصراخ بالصراخ:
حاضر..
قالتها ممطوطة، فأكملتْ صراخها للشوارع المفروشة في الصمت المقبور في العتمة:
سبحان الله!!.. ما مرّتْ ساعتان على تناولك الفطور.
يموتُ خَطْوُ المشهدِ في الوقت، ويَحيا في خِصْبِ أراضيّ.. أنحتُ له تمثالاً.. يَشعُّ أملاً آخر من بين السحاب:
أمي.. لقد نجحت.
أقولها بكل القلق.. فتهز رأسها، وأسمع الحروف التي تَبَخَّرَ مفعولها قبل ماء الطبخ ( مبروك).
أُقَلِّبُ إنائي.. أبْحثُ فيه بذاكرتي الحالمة، لم يزل فارغاً.. حتى القلوب الأخرى التي خرجتْ من وراء الحجب الثلاث التي اكتنفتني قبل الميلاد.. لم تلفظ سوى (مبروك).. يااااه.. يالهذه المبروك بمفردها!!.. دائماً تقرع حنيني بالسوط قائلة: لا للصدر.
أقوم ببعث الحياة في ذات الصفحة الإلكترونية، فأبعثُ ـ معها ـ هيامي للخبز الأبيض الصافي من الاحتراق.. تتلكأ الصفحة في توهجها.. يتعرى النصف الأول، كتعري نصف امرأة تشاغب المنع.. يتعرى، وولع منبهر مراهق حولها يترجاها كشف النصف الآخر.. الآخر الذي يقتل أنفاسي.. انتظار وجهه يهدد أظافري بالإعدام.. يُدْمي شفتي بالعظام.. يشهِّقُ كل حالات حياتي.. أعيد إحياء الصفحة من جديد مقابل اهترائي.. فأراها قد تعرت تماماً، كفتاةٍ ذاتَ جمالٍٍ فائقٍ عارضة أنوثتها في مُجَمَّعٍ رجالي.. بيد أني أجدها لم تلقَ حظاً كحظِ فتاةٍ أخرى ترتدي سواد الحشمة والبهاء.. أقرأ الحظ:
جميل.
رائع.
مبدع.
وأنا أبحث عن العالم.. فلا يملأ خزان صدري بالقبلات....
حالماً.. ظامئاً.. أرى شمس الشتاء لا تشعر بثقل الثلج.. لا تمنح الدفء حتى أخرج أمامها عارياً بلا خجل، أو أرجف بابها بقوة إلى أن تفتح بمضض، ثم أدخل مابين أو إلى ما وراء شفتيها وثدييها وفخذيها.. وما أصعب ذلك؟!!.
أصبحتُ أقرب من الاحتراق.. تَرَدَّدَتُ تحتَ منْبَتِ شَعْري.. انكَمَشَ الزمان بقبضة كفّي سؤال ليس له جواب:
هل أنا جائع إلى هذا الحد؟. هل أعاني بالفعل من مجاعة؟. أم في أشد الاحتياج إلى آخر؟..
فتحتُ صندوق رسائل الجوال الواردة مرة أخرى.. أقرأ رسالة مشتعلة لصديق:
( حبك عيدي، أنتظر إقبالك، كانتظاري لفتاة قررت أن تصبح عاهرة.. آه.. نَسِيَتْ جلب ثدييها).
ورسالة أخرى لصديق آخر:
( ثمة حراكٌ للزمن يختمر في توقي إليك، يشبه كثيراً شفتيك حين تبوح....)

أرمي بالجوال على نكبتي.. ينتفض العالم بين كفيّ.. أعود للفتاة التي أعتكفُ عندها وأنقطعُ إليها.. الفتاة التي اجتذبتْ حتى الخالقين والأنبياء والصالحين والقديسين والرهبان والأغنياء والمعدمين.. أفتحُ صفحةَ المنتدى الإلكتروني، ومابين الذبول والذبول.. مابين شمسي والشموع.. تطبطب على كتفي بهدوء كفاً طالماً أسقطت ثلج آخر كوكب في مجرتي.. ليرتعش الأفق من دهشتي، ويعيش أعلى حافة للجنون.. همستْ لي بينما تضمني كفاها وعيناها وعنقها:
لأجلك، حبيبي، كتبتُ عمري قصيدة حبٍ تعيش كل يوم بين يديك.
أتنفس هذا الجنون من زوجتي، من أبنائي، من كل الأصدقاء.. نتبادل العاطفة بالعاطفة.. تغبطنا السماء السابعة ويباركنا الإله.
تودعني وجوههم لحظات.. فأعود بلهاث مفجع.. أقلب صفحات المنتديات الإلكترونية.. الماسنجر.. رسائل الإيميل والجوال.. أبحـث في موقع قوقل (Google).. بل أبحث في صناديق العالم كله بتقنياته المرئية والصوتية، بلحمه، وشحمه، وعظمه، ووجدانه، ومشاعره، وضميره.. حَدَّ الانتظار.. حَدَّ الجمود.. حَدَّ الغرق.. حَدَّ الاضطراب.. في تخثر وسكون واحتضار وموت.....

24/12/1424هـ